موقع قبيلة البديرالعام للشيخ شوقي جبارالبديري
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
نوفمبر 2018
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

اليومية اليومية

التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني



التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني




النص والاجتهادالعلامة السيد شرف الدين

اذهب الى الأسفل

النص والاجتهادالعلامة السيد شرف الدين

مُساهمة  الشيخ شوقي جبار البديري في الأحد أكتوبر 13, 2013 9:12 pm


العلامة
السيد شرف الدين



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين باري الخلائق أجمعين الذي سن لهم أحكاما وتشريعات تعود عليهم بالنفع في عاجل الدنيا وآجل الآخرة وجعلها طبقا لمصالح وعلل لا يعلمها الا هو ومن ارتضاه من رسله وعباده المخلصين .
والصلاة والسلام على منقذ البشرية من الظلمات إلى النور ، الذي حلاله حلال أبدا إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة ، الذي لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى ، وعلى آله الغر الميامين أمناء الله على دينه ومهبط وحيه ومعدن رحمته وخزان علمه ... والذين هم منتهى الحلم وأصول الكرم وقادة الأمم وأولياء النعم وعناصر الأبرار ودعائم الأخيار وساسة العباد وأركان البلاد وأبواب الإيمان ، حجج الله على أهل الدنيا والآخرة والأولى المظهرين لأمر الله ونهيه وعباده المكرمين الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .
النص والاجتهاد ـ 4 ـ
الحرية :
الحرية هو شعار ، كثيرا ما دفعته أديان ومذاهب وأحزاب وقوميات و شخصيات في العصر الحديث وفي العصر القديم وجعل هذا الشعار هدفا و مقصدا للإنسان يسعى لتحقيقه ويتغنى به ، وإذا أراد الإنسان أن يبحث عن المبدأ أو الفئة التي أعطت للإنسان حريته وسعادته المنشودة لم يجد لها عين ولا أثر على وجه البسيطة حتى المذاهب التي اتخذت الحرية شعارا أساسا لها كالرأسمالية الغربية أو الاشتراكية الشرقية والذي يوجد عندها انما هو لفظ الحرية ومصداق العبودية بمعنى الكلمة وبما يحمل اللفظ من معنى لهذا رجع الإنسان من هذين المذهبين بل والمذاهب الأخرى الوضعية بخفي حنين الا العبودية الذليلة .
الإنسان لا يجد حريته وسعادته الا في الإسلام وهو الدين والمبدأ الوحيد الذي ضمن للإنسان سعادته وحريته الحقيقية في جميع المجالات : المبدأية والاقتصادية والأخلاقية الفردية والاجتماعية ، وهذه هي الحرية التي تعلو به إلى ما يتناسب مع إنسانيته وكرامته بل وتعلو به إلى أعلى عليين حتى تقربه من مولاه .

( حرية الفكر في الإسلام : )
من جملة الحريات التي منحها الإسلام للإنسان هي حرية الفكر ودعاه وحثه على التفكر في جميع المجالات بما فيها الكون والحياة والآخرة وما سوف يؤول إليه وأشار إلى حقيقة قد تخفى على الإنسان وهي ان الذي يستفيد من الكون والحياة ويكون على سبيل نجاة هو الذي يفكر فيما حوله ( إِنّ
َ
النص والاجتهاد ـ 5 ـ
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... ) (1) .
وان الذي يأخذ عبرة من ذلك هو الإنسان المفكر قال تعالى : ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (2) .
وفي الحث على الفكر وحريته فضله على كثير من العبادات فقد روي عن نبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوله : ( فكرة ساعة أفضل من عبادة سنة ) (3) .
وأرجحية التفكر على العبادة ليس الا لان في التفكر ميزة خاصة لا توجد في كثير من العبادات الجوفاء عن المعرفة والهداية . تلك الميزة هي الوصول إلى الحقيقة فكم إنسان قد اهتدى إلى الإسلام أو من الفسق والعصيان إلى الإيمان وخرج من الظلمات إلى النور ومن الشقاء إلى السعادة ، لانه استعمل فكره وعقله لفترة من الزمن وقد لا تتجاوز الساعات أو الدقائق فيرتبط مصيره بهذه اللحظات القيمة .
والشواهد على ذلك كثيرة جدا فالنقتبس من باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله بعضها قال ( عليه السلام ) : ( فكرك يهديك إلى الرشاد ، ويحدوك على إصلاح المعاد ) (4) .
وقال أيضا : ( لكل شئ دليل ودليل العاقل التفكر ) (5) .
وقال عليه السلام : مشيرا إلى انه كل ما كان تفكير الإنسان أكثر وأعمق كان صوابه

(1) سورة آل عمران : 190 ـ 191 .
(2) الجاثية : 13 .
(3) البحار 71 / 326 .
(4) غرر الحكم ص 227 .
(5) تحف العقول ص 285 (*) .

النص والاجتهاد ـ 6 ـ
وقربه إلى الحق أكثر وكل ما قل تفكيره كثر خطائه وقرب نحو الباطل ( طول الفكر يحمد العواقب ، ويستدرك فساد الأمور ) (1) .
وقال ( عليه السلام ) : ( تفكرك يفيدك الاستبصار ويكسبك الاعتبار ) (2) .
وقال ( عليه السلام ) : ( من فكر قبل العمل كثر صوابه ) (3) .

المبدأ الأول وحرية الفكر :
والإسلام حينما دعى إلى حرية الفكر وحث عليه لم يكن ذلك من باب التسلية والشعار الفارغ وانما رتب على ذلك الأثر كبقية الحقائق التي يدعو إليها . فأهم شئ في وجهة نظر الإسلام بل في الوجود ككل هو معرفة المبدأ الأول المنشئ لهذا الكون بما فيه وهذه الحياة التي يعيشها الإنسان على هذا الكوكب .
فالإسلام ابتدأ مع الإنسان من هذه المهمة التي هي أول ما يحتاجه الإنسان ولا يمكن أن يستقل عنها أو ينفصل عن فيضها ولو لحظة واحدة ، فنبه الإسلام الإنسان على أنه لابد له من الاعتراف بوجود الله سبحانه وعدالته من طريق العقل الحر والتفكير العميق ولا يكفي التقليد فيه وكذلك بقية أصول الدين كالنبوة والإمامة والمعاد يلزم أن يعترف بها من طريق فكره وأدلتها متوفرة لجميع الناس مهما اختلفت مستوياتهم ويكتفي من كل بحسب حاله ، والآيات والروايات التي تتحدث كأدلة ليست الا محض ارشاد والا لحصلت المصادرة .
وهذا لا يمنع من ان الإسلام اتخذ موقفا آخر بالنسبة إلى فروع الدين فقد فسح المجال للتقليد فيها لمن ليس أهلا للنظر والفحص وذلك لكثرتها وتشعب

(1) غرر الحكم ص 208 .
(2) غرر الحكم ص 157 .
(3) غرر الحكم ص 277 (*) .

النص والاجتهاد ـ 7 ـ
أدلتها خصوصا مع البعد الزمني عن عصر الرسالة وتوقف النظام الاجتماعي لو اشتغل الكل بتحصيل كل ما يحتاجه من مسائل الفقه .

حرية اختيار الإسلام :
بعد أن عرفنا ان معرفة المبدأ الأول لابد أن يكون من طريق العقل وحريته التامة ، نعرف ان كل شئ مهما سما فهو دون المولى سبحانه حتى الإسلام فاختياره يكون بتفكر الإنسان وبحثه وتدقيقاته ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) وعندما يستعمل عقله فالنتيجة هي الاعتراف بالإسلام ومباديه لهذا نرى ان الإسلام يعطي الإنسان حرية التفكير في بحثه وهو مطمأن ان النتيجة هو الوصول إلى الحقيقة والواقع وتراه يضع للإنسان الداعية الطرق الحكيمة والخلقية عندما يدعو الإنسان غيره ولا يحتاج لان يستعمل الأساليب الملتوية من الكذب والغش والبهتان والشتم والتعصب الأعمى ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (1) ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (2) .
واننا على علم ويقين تأمين ان الإنسان مهما كان إذا استعمل فكره ولم يتعصب إلى فكرة معينة أو تقليد أعمى لأبويه أو لبيئته التي يعيش فيها أو لحزب ينتمي إليه أو لمذهب ينتسب إليه وصار موضوعيا في فكره وبحثه وأخلص النية لله تعالى للحق في هدفه فانه سوف يصل إلى الحقيقة وتنكشف له كما سوف يتعرف على الباطل وموارد الاشتباه والالتباس عليه وذلك بعون الله وحسن لطفه وعنايته .

(1) النحل : 125 .
(2) العنكبوت : 46 (*) .

النص والاجتهاد ـ 8 ـ
منزلة العقل في الإسلام :
فإذا عرفنا هذه الأهمية الكبرى للفكر في الإسلام نعرف أهمية العقل في حياة الإنسان وسعادته ووصوله إلى الواقع ، فان العقل أداة الفكر الذي يفكر بها الإنسان وقد وردت النصوص الكثيرة في مدح العقل وجعله حجة على الناس كما ان الرسل حجة عليهم .
قال الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : ( يا هشام ان لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام ، وأما الباطنة فالعقول ) (1) .
بل جعل التمييز بين الخير والشر والنزوع عن الشر انما هو بالعقل ، فقد روي عن الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم) : ( انما يدرك الخير كله بالعقل ولا دين لمن لا عقل له ) (2) .
وهكذا يتتابع المدح والثناء على العقل وما يلازمه من العلم والتفقه ( انما يخشى الله من عباده العلماء ) (3) .
وقال الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : ( تفقهوا في دين الله فان الفقه مفتاح البصيرة ) (4) .

وقال الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( أيها الناس لا خير في دين لا تفقه فيه ) (5) .

(1) الكافي ج 1 / 16 .
(2) تحف العقول ص 44 .
(3) فاطر : 28 .
(4) تحف العقول ص 302 .
(5) البحار ج 70 / 307 (*) .






النص والاجتهاد ـ 9 ـ
الموضوعية عند أهل البيت :
لا نعجب لما نرى أئمة الهدى من آل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم) ان هدفهم هو الوصول إلى الحق مهما كان طريقه مرا وشائكا وكأودا واننا بملاحظة تعاليمهم عليهم السلام وتربيتهم لأمة جدهم نرى أروع الأمثلة في الموضوعية والتجرد عن التقليد الأعمى والتعصب الجاهلي فمثلا نقرأ قول الإمام الهادي ( عليه السلام) في مناجاته لربه وتضرعه إليه : ( اللهم إني لو وجدت شفعاء أقرب إليك من محمد وأهل بيته الأخيار الأئمة الأبرار لجعلتهم شفعائي إليك ... ) .
فالميزان ليس الحسب أو النسب أو العشيرة أو تقليد الآباء مهما بلغوا في عظمتهم وشهرتهم بل المقصد هو الوصول إلى الحق سبحانه والقرب إليه من أي طريق وبأي ثمن وانما يجب التمسك بالمبدأ المعين إذا كان موصلا إلى الله تعالى ومقربا نحوه والا لا قيمة له ، فالإمام الهادي ( عليه السلام) يفترض ـ وفرض المحال ليس بمحال ـ انه لو وجد شخص أقرب إلى الله من الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم) لوجب التمسك به ، وهذا غاية الموضوعية والإخلاص إلى الله سبحانه .
وان الموضوعية في الأبحاث مهما كانت قد تبدو حساسة وشائكة وصعبة الا انها سوف تكون عاملا مساعدا للوحدة ولم شعث الأمة الإسلامية ورص صفوفها في قبال الكفر العالمي ، وأما السكوت عن القضايا المذهبية والخلافية أو إثارتها بالشتم والكذب والبهتان والتعصب فانه لن يجدي نفعا للأمة الإسلامية ووحدتها وعزها وكرامتها ، بل يجب أن تتوحد الصفوف وتنصهر وتحابب القلوب مهما كان بينها من خلاف أو تعدد في المذاهب والأفكار وتكون كالجسد
النص والاجتهاد ـ 10 ـ
الواحد يتألم بعضه لبعض لتعود خير أمة أخرجت للناس .
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا من جملة الكتب التي تعرض القضايا العلمية والتاريخية والفقهية والكلامية ويبحثها بحثا موضوعيا بعيدا عن التعصب المذهبي أو الطائفي بل أعطى للفكر مجاله في مناقشات الأبحاث التي تعرض لها .
وأول ما يلفت انتباهنا هو عنوان الكتاب ( النص والاجتهاد ) فماذا يراد بهذين اللفظين وما هو مقدار الصلة والتقابل بينهما .
وأول ما يلفت انتباهنا هو عنوان الكتاب ( النص والاجتهاد ) فماذا يراد بهذين اللفظين وما هو مقدار الصلة والتقابل بينهما .

النص :
أصل النص في اللغة : أقصى الشئ وغايته ثم سمي به ضرب من السير السريع . ونصصت الحديث إلى فلان : رفعته إليه (1) .

وللنص معنيان
1 ـ ان يكون في مقابل المجمل أو الغير الظاهر فيكون النص : ( ما دل على معنى غير محتمل للنقيض بحسب الفهم ) (2) ، وقال صاحب المعارج : ( هو الكلام الذي يظهر افادته لمعناه ولا يتناول أكثر مما هو مقول فيه ) (3) ، وهذا المعنى لم يكن محط لنظر المصنف .
2 ـ النص : المراد به الكتاب الكريم والسنة الشريفة بأقسامها الثلاثة : أ ـ قول المعصوم ، ب ـ وفعله ، ج ـ وتقريره .

(1) راجع : الصحاح ولسان العرب .
(2) مجمع البحرين ج 4 / 186 .
(3) معارج الأصول ص 105 (*) .

النص والاجتهاد ـ 11 ـ
فقد أطلق على كل ذلك النص فإذا قيل عنده نص أي أحد هذه الأمور وإذا قيل لم يكن عنده نص أي هذه الأمور منتفية فيرجع معنى النص إلى انه : ( الدليل الدال على الحكم الشرعي والثابت عن الشارع من طريق القطع أو الظن المعتبر سواء كان كتابا أو سنة ) ، وهذا هو مراد المصنف كما هو واضح من ثنايا أبحاث الكتاب .

الاجتهاد :
والاجتهاد في اللغة مأخوذ من ( الجهد ) بالضم بمعنى الطاقة وبالفتح بمعنى المشقة فهو بذل الوسع والطاقة والقيام بعمل ما مع المشقة ، وبهذا المعنى استعمل في القرن الأول الإسلامي فالنصوص التي قد وردت وتحدثت عن الاجتهاد بناءا على صحة تلك النصوص فالمراد هو الاجتهاد اللغوي ولم يكن لهم اصطلاح خاص غير المعنى اللغوي .
في الاصطلاح :
والاجتهاد في اصطلاح علماء الأصول قد تعدد تعريفه عندهم : فقد عرفوه : ( انه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلا أو قرة قريبة ) كما عرفه البهائي بذلك ، وعرفه الغزالي بأنه : بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة ، وعرفه ثالث : من انه ( الملكة التي يقتدر بها على ضم الصغريات لكبرياتها لانتاج حكم شرعي أو وظيفة عملية شرعية أو عقلية ) (1) .

(1) الاجتهاد لبحر العلوم والأصول العامة للحكيم ، ومقدمة الكتاب للحكيم أيضا ، (*)

النص والاجتهاد ـ 12 ـ
وغيرها من عشرات التعاريف التي لا تتعدى انها شرح للاسم وليست تعاريف لحقيقة الاجتهاد خصوصا بعد تطوره واختلافه من زمن إلى آخر .

التأويل :
عرفنا فيما سبق انه القرن الأول الإسلامي لم يستعمل الاجتهاد كمصطلح خاص يغاير المعنى اللغوي بل يستعملونه في المعنى اللغوي فقط ، وهم يستعملون مكانه كمصطلح خاص لفظ ( التأويل ) فالشخص الذي يرتكب مخالفة للكتاب أو السنة ويراد أن يعتذر عنه أو يصحح عمله يقال له تأول .
وأمثلة ذلك كثيرة في الصدر الأول :
منها : ان خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة عامل رسول الله على صدقات قومه اعتذر خالد عن فعله وقال للخليفة أبي بكر : ( يا خليفة رسول الله إني تأولت وأصبت وأخطأت ) (1) .
ومنها : قول أبي بكر جوابا لعمر حين قال : ( ان خالدا زنى فارجمه ( : ) ما كنت أرجمه فانه تأول فأخطأ ( أو ) هبه يا عمر ، تأول فأخطأ ... ) (2) .
وهكذا كانوا يعتذرون لجملة من الصحابة في أعمالهم كاتمام الصلاة في حال السفر لعائشة وعثمان والحروب التي دارت بين الصحابة (3) .
وتطور الاعتذار إلى حد صار إلى كل جريمة ترتكب والمرتكب في نظرهم مسكوت عنه .

(1) راجع ما يأتي ص 125 .
(2) مقدمة مرآة العقول ج 1 / 67 ، وما يأتي من الكتاب ص 124 .
(3) صحيح مسلم باب صلاة المسافر وقصرها ، وما يأتي من الكتاب ص 405 و 412 (*) .

النص والاجتهاد ـ 13 ـ
فقد اعتذر ابن حزم : عن أبي الغادية قاتل عمار ( رض ) من انه متأول مجتهد فحطي له أجر واحد (1) ، مع ما تواتر من قول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في عمار انه ( تقتله الفئة الباغية ) (2) .
بل تمادوا في الاعتذار عن أشقى الأولين والآخرين ابن ملجم في الجريمة التي هزت السموات والأرض وهى قتله لسيد الوصيين ( عليه السلام ) ، اعتذروا لابن ملجم كما اعتذروا ليزيد بن معاوية في قتله لسيد شباب أهل الجنة ريحانة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم) وقرة عين الزهراء البتول الإمام الحسين سبط الرسول ( عليه السلام ) (3) .
اعتذروا لهم انهم تأولوا فأخطأوا فلهم أجر واحد ، وإذا رجعنا إلى كتب اللغة في معنى التأويل لرأيناهم يذكرون ان : التأويل هو بمعنى التفسير ، وتفسير ما يأول إليه الشئ (4) .
ولكن المعتذرين استعملوه في غير معناه اللغوي بل في الأفعال التي ارتكبت مخالفة للنصوص الصريحة (5) .

(1) الفصل لابن حزم ، والإصابة ج 4 / 151 .
(2) راجع مصادر هذا الحديث في كتاب سبيل النجاة في تتمة المراجعات .
(3) المحلى لابن حزم ج 10 / 484 والجوهر النقي لابن التركمان بذيل سنن البيهقي ج 8 / 58 وتاريخ ابن كثير ج 8 / 223 .
(4) راجع كتب اللغة الصحاح ولسان العرب .
(5) راجع ما يأتي من أبحاث في الكتاب ، ومقدمة مرآة العقول ، (*)

النص والاجتهاد ـ 14 ـ
مدرسة الرأي :
وفي القرن الثاني تطورت أسباب الاعتذار والتبرير من ( التأويل ) إلى الرأي وكانت مدارس الرأي كثيرة ادعى بعضهم وجودها في زمن الصحابة في الصدر الأول من الإسلام ولكن مدرسة الإمام أبي حنيفة المتوفى 150 ه‍ والمتواجدة في العراق فاقت بقية مدارس الرأي فقد بالغ بالأخذ به كمصدر أساسي للأحكام الشرعية ودليل قاطع فقد روى الخطيب البغدادي في ترجمة أبي حنيفة من تاريخ بغداد عن يوسف بن أسباط قال قال أبو حنيفة : ( لو أدركني رسول الله وأدركته لأخذ بكثير من قولي وهل الدين الا الرأي الحسن ) (1) .
ولهذا تشدد في أخذ النصوص من السنة النبوية إلى حد كان يرفض جملة كبيرة منها ، فقد روى الخطيب أيضا عن علي بن عاصم انه قال : حدثنا أبا حنيفة عن النبي فقال : لا آخذ به فقال : فقلت : عن النبي فقال : لا آخذ به وروي أيضا عن أبي إسحاق الفزاري قال : كنت آتي أبا حنيفة أسأله عن الشئ من أمر الغزو فسألته عن مسألة فأجاب فيها فقلت له : انه يروى فيه عن النبي كذا وكذا قال : دعنا عن هذا ، وقال أيضا : كان أبو حنيفة يجيئه الشئ عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيخالفه إلى غيره (2) .
وعلى هذا المبنى فقد أفتى بجملة من الأحكام الشرعية التي توجد كثير من الروايات على خلافها (3) .
والحاصل : ان الرأي في مدرسة أبي حنيفة بل وفي غيرها يساوي الاجتهاد

(1) تاريخ بغداد ج 13 / 387 ـ 390 .
(2) راجع هذه النصوص وغيرها في تاريخ بغداد للخطيب ج 13 / 387 ـ 390 وكتاب المجروحين لبستى ج 3 / 65 كما في مقدمة مرآة العقول ج 2 .
(3) راجع ذلك في كتاب المحلى لابن حزم ج 7 / 81 و 111 وج 8 / 351 وج 10 / 360 وبداية المجتهد ومقدمة مرآة العقول ج 2 / 40 ـ 46 (*) .

النص والاجتهاد ـ 15 ـ
وهما بمعنى واحد يقول مصطفى عبد الرزاق : ( فالرأي الذي نتحدث عنه هو الاعتماد على الفكر في استنباط الأحكام الشرعية وهو مرادنا بالاجتهاد ) (1) .
وهذا الاجتهاد عندهم على الأقل عدل للكتاب والسنة فكما انهما مدركان للأحكام الشرعية كذلك الرأي يقول الدواليبي في تقسيم الاجتهاد إلى ثلاثة :
أولا : البيان والتفسير لنصوص الكتاب والسنة .
ثانيا : القياس على الأشباه في الكتاب والسنة .
ثالثا : الرأي الذي لا يعتمد على نص خاص وانما على روح الشريعة ... (2) .
ولعل الفقر العلمي الذي حصل لديهم وذلك من ان التلقي للأحاديث ومن مصدرها قد انقطع بوفاة الرسول ( صلى الله عليه واله وسلم ) لهذا مست الحاجة إلى مثل هذه الأمور بعكسه لمدرسة أهل البيت مثلا التي ترى ان الأئمة ( عليهم السلام ) هم استمرار لحركة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه واله ) وهم قد حفظوا جميع آثاره وهم لسانه الناطق فبوجودهم ( عليهم السلام )لا تحتاج شيعتهم إلى الرأي والقياس وما شاكلهما .

مدرسة الحديث
ولما انتشرت مدرسة الرأي خرجت في قبالها مدرسة الحديث وقد أخذت هذه موقفا عكسيا لمدارس الرأي فقد اعتمدت هذه على ظواهر الحديث وشجبت جميع القضايا العقلية كالقياس والاستحسان والرأي وتعبدت بظواهر النصوص وكان من المؤيدين إلى هذه المدرسة الإمام مالك بن أنس ثم تم تشييدها على يد داود بن علي الظاهري المتوفى سنة 270 ه‍ وسمي بالظاهري

(1) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص 138 .
(2) المدخل إلى علم أصول الفقه ص 55 (*) .

النص والاجتهاد ـ 16 ـ
لأنه كان يعتمد على ظواهر الكتاب والسنة ولم يعتمد على الإجماع الا إذا اتفق جميع العلماء على الحكم .
وهذه المدرسة لم تتمكن من مصارعة مدرسة الرأي بالرغم من وجود علماء وأنصار لها كابن حزم الأندلسي فقد انقرضت هذه المدرسة في القرن الثامن الهجري .

مدرسة أهل البيت :
ان مدرسة أهل البيت في تلقي الأحكام الإلهية ونشرها لها مميزاتها ومباديها الخاصة ولها الاستقلالية التامة عن جميع المدارس الأخرى التي حدثت وتعتقد ان الأحكام الشرعية يجب أن تكون من مصدر الهي ومن منبع الرسالة المحمدية لا غير وان علومهم علوم جدهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولهذا كثيرا ما يكررون ويؤكدون ان حديثهم هو حديث جدهم سواء أسندوها إليه أم لا ، وانهم لا يقولون بآرائهم بل علمهم موروث من جدهم إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم إلى الحسن ثم الحسين ثم الأئمة من بعده واحدا بعد واحد فمثلا علوم سيد العترة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مأخوذة من علم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله : ( ان الله علم رسول الله الحلال والحرام والتأويل وعلم رسول الله علمه كله عليا ) (1) .
و ( سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) ـ الإمام الصادق ـ عن مسألة فأجابه فيها ، فقال الرجل : أرأيت ان كان كذا وكذا ما يكون القول فيها ؟
فقال له : مه ما أجبتك من شئ فهو عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لسنا من أرأيت في شئ ) (2) .

(1) بصائر الدرجات ص 290 وسائل الشيعة ، وراجع ما يأتي في الكتاب من الأحاديث التي قد وردت عن طريق مدرسة الخلفاء بهذا الصدد ص 568 وغيرها .
(2) الكافي ج 1 / 58 (*) .

النص والاجتهاد ـ 17 ـ
وفي حديث آخر للإمام الصادق (عليه السلام) : ( مهما أجبتك فيه بشئ فهو عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لسنا نقول برأينا من شئ ) (1) .
وغيرهما من عشرات الأحاديث في هذا الموضوع التي تؤكد ان مصدرهم هو جدهم الأعظم .

موقف مدرسة أهل البيت من الرأي :
ان مدرسة أهل البيت عليهم السلام وقفت من القياس والرأي والاستحسان موقفا سلبيا بل ومن الاجتهاد الذي يساوي الرأي وأنكرته أشد الإنكار .
فقد ورد عنهم ( ان دين الله لا يصاب بالمقائيس ) و ( ان دين الله لا يصاب بالقياس ) وقالوا ( ان السنة لا تقاس ألا ترى ان امرأة تقضى صومها ولا تقضى صلاتها يا أبان ان السنة إذا قيست محق الدين ) (2) .
وكان موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من مدرسة الرأي واضحا فقد أنكر على رائديها وخصوصا أبي حنيفة وقد وصلت عدة مناقشات بين الإمام الصادق وأبي حنيفة حصلت الغلبة فيها للصادق (عليه السلام) (3) .
وكذلك علماء مدرسة أهل البيت أنكروا العمل بالرأي والاجتهاد الذي يساويه ، وقد ألفوا الكتب في الرد على من عمل بالرأي أو القياس قبل الغيبة الصغرى
(1) بصائر الدرجات ص 301 .
(2) راجع هذه الأحاديث في الكافي ج 1 / 56 و 57 .
(3) حلية الأولياء ج 3 / 196 وابطال القياس لابن حزم ص 71 وسائل الشيعة ج 19 / 468 باب 44 من أبواب الديات ، (*)

النص والاجتهاد ـ 18 ـ
وبعدها ، فقد صنف عبدالله بن عبدالرحمن الزبيري كتابا أسماه : ( الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس ) وصنف هلال بن أبي الفتح المدني كتابا في الموضوع باسم : ( الرد على من رد آثار الرسول واعتمد على نتائج العقول ) (1) .
وكان الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والسيد المرتضى ينكرون الاجتهاد والرأي والقياس والاستحسان وان هذه الامور ليست من مذهب الإمامية (2) .
ولهذا أنكروا على ابن أبي الجنيد عمله بالقياس إلى حد رفضوا فتاويه مع ان الشيخ المفيد والسيد المرتضى من كبار المجتهدين ، فيعرف من هذا ان الاجتهاد له مفهومان : مفهوم خاص ومفهوم عام اما المفهوم الخاص : للاجتهاد فهو المفهوم الذي يساوي الرأي أو القياس أو الاستحسان يقول الشافعي ، ( في القياس ؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان قلت : هما اسمان بمعنى واحد ) (3) وهذا الاجتهاد هو الذي كانت تأخذ به مدارس الرأي والتي تجعله مصدرا ودليلا للأحكام الشرعية كالكتاب والسنة ، وهذا بعينه الاجتهاد المرفوض لدى مدرسة أهل البيت وعلمائها رفضا باتا سواء كان في قباله نص صريح أم لا ولعل بعض الأبحاث التي دار الحديث عنها في داخل الكتاب يكون من مصاديقه .

(1) رجال النجاشي ، المعالم الجديدة للأصول ص 24 .
(2) المعالم الجديدة ص 25 ، الذريعة للسيد المرتضى ج 2 / 308 ، الجواهر ج 40 / 89 .
(3) الرسالة للشافعي ص 477 (*) .

النص والاجتهاد ـ 19 ـ
المفهوم العام للاجتهاد :
وهو قريب من المعنى اللغوي ان لم يكن هو فان هذا الاجتهاد هو ان يقوم الفقيه بعملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها كالكتاب والسنة فبينما أصبح الاجتهاد بالمعنى الخاص دليلا يعتمد عليه الشخص حينما يسأل ويقول اجتهادي كان الاجتهاد بالمعنى العام هو بذل الجهد والطاقة في فهم الحكم الشرعي من الكتاب أو السنة الشريفة وان كان قد اختلف العناء والمشقة في استخراج الحكم من ظاهر الآية أو الرواية فبينما كان في السابق لا يوجد فيها أي عناء فلا يقال له اجتهاد بينما الآن أصبح العناء فيها شديدا جدا لما يبذله الفقيه من جهد علمي لتحديد الحكم الشرعي فيصدق عليه انه مجتهد ، ومع البعد الزمني أصبحت عملية الاستنباط ليست جائزة فحسب بل واجبة وذلك لتوقف فهم الحكم الشرعي عليها وتحديد الوظيفة العملية للمكلف بها ، وبهذا يفسر موقف جملة من علمائنا الأخيار حيث شجبوا الاجتهاد .
واستدلوا على حرمته بالروايات السابقة وغيرها ، فانه قد حصل اللبس والخلط بين المعنى الأول التي ترفضه مدرسة أهل البيت والمعنى الثاني التي توجبه على نحو الكفاية .

[ الاجتهاد في قبال النص : ]
نعم مدرسة أهل البيت لا تجيز الاجتهاد مطلقا في ما إذا وجد نص على خلافه بل تلزم بالبحث عن النص قبل الحكم خصوصا مع احتمال وجوده وعلى هذا بنى المصنف كتابه هذا فانما هذه الموارد المذكورة يوجد على خلافها
النص والاجتهاد ـ 20 ـ
النصوص الصريحة الواضحة والتي كانت منتشرة في البلاد وبين أيديهم الكثير منهم يعرفونها .
وعلى فرض عدم معرفتها لابد من الفحص ليتأكد عدم وجود الدليل ، ومن الواضح جدا ان الرسول الأعظم حينما يحدث بحديث قد يكون عنده شخص أو شخصان أو أكثر لان أكثرية الصحابة مشغولون بأمورهم وترتيب نظام اجتماعهم فيلزم بقية الصحابة الذين لم يحضروا وقت الحديث ان يفحصوا عنه وإلا فلا يحق لهم الحكم بدون ذلك .
وهذا الكتاب لأهميته في الأوساط العلمية وفائدته الجليلة ولأنه يعالج بعض القضايا بالرغم من كونها صعبة الا انها سوف تعود على الأمة الإسلامية بالنفع الكثيرة وخدمتها وتوحيد كلمتها ولم شعثها خصوصا وان مؤلفه الإمام شرف الدين لم يألوا جهدا في جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم وكتاباته في مراجعاته وفي فصوله المهمة تدل على ذلك لأجل ذلك وغيره طلب مني بعض الفضلاء والسادة الاجلة منذ زمن بعيد وتكرر الطلب على ان أحققه واعلق عليه وبعد مد وجزر قمت بذلك وتم والحمد لله فأرجو من الله العلي القدير ان يجعله خالصا لوجهه الكريم وان ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين .
avatar
الشيخ شوقي جبار البديري
Admin

عدد المساهمات : 1369
تاريخ التسجيل : 04/04/2012
العمر : 53
الموقع : قبيلة البدير للشيخ شوقي البديري

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://shawki909.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى